عبد الشافى محمد عبد اللطيف
265
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
ويشيع الاستقرار - كما كان زياد وابنه عبيد اللّه - فإن ذلك كان كفيلا بأن يتيح للحملات على بلاد ما وراء النهر مجالات من السعة والتقدم « 1 » . ولدينا طائفة من الروايات التاريخية ، كما جاء في فتوح البلدان للبلاذري « 2 » حول الذين عبروا النهر - جيحون - عبد اللّه بن عامر ، والحكم بن عمرو الغفاري ، الذي كان أول من عبر النهر ، وسعيد بن عثمان بن عفان « 3 » ، وكان أول من قطعه ، وسلم بن زياد ، وكانت امرأته أول عربية عبر بها النهر ، هذه الروايات قد يبدو فيها التناقض ؛ لأن كل واحد من أبطالها قيل عنه : إنه الأول في عبور نهر جيحون وبالتأمل يمكن أن يزول التناقض ، إذا تصورنا أنه لا مانع من أن يكون كل واحد منهم عبر من جبهة غير الجبهة التي عبر منها الآخرون ، وعلى هذا يكون كل واحد هو الأول في العبور من الجبهة التي عبر منها ، وسواء أصح هذا التصور أم لا ؛ فإن الحقيقة التي تستخلص من كل تلك الروايات واحدة لا تتغير ، وهي أن خطوات المسلمين الأولى إلى بلاد ما وراء النهر كانت خطوات تمهيدية . ولعل زياد بن أبي سفيان أول من فطن إلى أن فتح ما وراء النهر لا يمكن قبل استقرار الأوضاع في خراسان « 4 » ، فأقدم على خطوة مهمة كانت بعيدة المدى والمرمى في حياة خراسان ، حيث نقل خمسين ألف أسرة عربية من البصرة والكوفة وأسكنها خراسان « 5 » . ومن الطبيعي أن يكون زياد قد تشاور في هذا مع الخليفة معاوية بن أبي سفيان ؛ لأنه من غير المعقول أن يقدم على عمل كبير كهذا دون علم الخليفة ، وهكذا يمكننا أن نقول في ثقة : إن أسس فتح بلاد ما وراء النهر قد بدأها زياد وتابعها بعده ابنه عبيد اللّه ، الذي وفق في عبور نهر جيحون ودخول بخارى ، وبعد أن أخضع مدينة بيكند الغنية ومركز التجارة « 6 » ومنها سار إلى بخارى محملا بالغنائم يسير في ركابه أربعة آلاف أسير « 7 » وكان ذلك سنة ( 53 ه ) . وقد استنجدت الملكة خاتون ملكة بخارى بجيرانها الترك الذين حاولوا إنقاذ المدينة ، ولما
--> ( 1 ) شكري فيصل - حركة الفتح الإسلامي ( ص 210 ) . ( 2 ) ( ص 408 - 413 ) . ( 3 ) زين الأخبار أبو سعيد الكرديزي - ( 1 / 173 ) ترجمة الدكتورة عفاف السيد زيدان . ( 4 ) أرمينيوس فامبري - تاريخ بخارى ( ص 57 ) . ( 5 ) البلاذري - فتوح البلدان ( ص 410 ) . ( 6 ) تاريخ بخارى ( ص 57 ) . ( 7 ) زين الأخبار ( 1 / 172 ) .